فخر الدين الرازي

217

تفسير الرازي

بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين ، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى ، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الإرث ، وليس كذلك الدين ، فإنه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي ، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا ، فالوصية تشبه الإرب من وجه ، والدين من وجه آخر ، أما مشابهتها بالإرث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والإرث ، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : ما معنى " أو " ههنا وهلا قيل : من بعد وصية يوصى بها ودين ، والجواب من وجهين : الأول : أن " أو " معناها الإباحة كما لو قال قائل : جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس ، فان جالست الحسن فأنت مصيب ، أو ابن سيرين فأنت مصيب ، وإن جمعتهما فأنت مصيب ، أما لو قال : جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر ، فكذا ههنا لو قال : من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، أما إذا ذكره بلفظ " أو " كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده ، وكذلك إن كان كلاهما . الثاني : أن كلمة " أو " إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله : * ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) * ( الإنسان : 24 ) وقوله : * ( حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) * ( الأنعام : 146 ) فكانت " أو " ههنا بمعنى الواو ، فكذا قوله تعالى : * ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) * لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا . المسألة الرابعة : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم * ( يوصى ) * بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله . وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد إضافة إلى الموصى وهو الاختيار بدليل قوله تعالى : * ( مما ترك إن كان له ولد ) * . قوله تعالى : * ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ) * . اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله : * ( فريضة من الله ) * ومن حق